رِحْلَتِي الحَقِيْقِيَّةُ فِي طَرِيْقِ العِلْم
ِرِحْلَتِي الحَقِيْقِيَّةُ فِي طَرِيْقِ العِلْم
بعد مرور طرق شتى، وسبل متفرقة، لقد اعترفتُ حق الاعتراف أن طريق العلم هو أفضل الطريق وأحسن السبيل على الإطلاق. إذ قضيت ثلاثة أرباع عمري في مصر في سبيل العلم، انطلاقه من انضمامي إلى مركز علمي ممتاز ألا وهو "كواكب الفصحاء" تحت رعاية شيخي ومربي روحي الشيخ الدكتور شرف الدين الأزهري -متّعنا الله بطول حياته مع الصحة والعافية-.
لقد كان أول رحلتي في مصر تمثّل رحلة شاقة، بدايتها مليئة بالاضطراب النفسي بمواجهة البيئة المصرية التي كانت تؤلمني بواقع ما لا خطر ببالي من قبل، إلى حد أنني أودّ الرجوع إلى البلد من أجل ذلك. تلك هي تحديات نفسية لا بد من مرورها وإلا أموت في غلغلة الفوضى مذبذبا بين ذلك لا إلى هنا ولا إلى هناك.
استمر هذا الاضطراب إلى أن استخرت الله واستشرت أستاذي في حل مشكلتي النفسية، فوفّقني الله بأن أرشدني إلى بيئة علمية تساعد رحلتي وتحقيق هدفي في مصر، ذلك مركز "كواكب الفصحاء"، كان إجابة على قلقي وحزني بدايةَ الأمر في مصر.
فانضممت إليه، وركّزت على كل واحدة من أنشطته بالنشاط والهمة لما رأيت ضعف نفسي بالنسبة لأصدقائي الذين تخرّجوا من المعاهد الدينية ولست من متخرّجيها البتة. هذا الإحساس يدفعني أن أجاهد نفسي آناء الليل وأطراف النهار في شدة التعلم والحفظ، والمطالعة والمراجعة، بينما كانوا يلعبون ويمزحون بينهم، وكثيرا ما أبتعد عنهم أول الأمر من أجل سبقهم وتدارك ما فاتني من العلوم والمهارة إزاءهم. فكان هدفي المجيد أن استطعت التحدث باللغة العربية بالطلاقة نطقا وكتابة، وكذلك قراءة كتب قراءةً صحيحة مع فهم صحيح، وحفظ القرآن الكريم كذا المتون العلمية في عدة الفنون التي تعدّ أهم المبادئ في فهم العلوم الشرعية، وبما أعتقد أن كل هذه الأشياء ستنفعني طوال رحلة طلبي للعلم.
نعم، الكواكب ليس فقط يعلّمنا العلم، بل يصنع فينا العلم، هكذا ما يقوله شيخي في كثير من المناسبات.
فاجتهدتُ أكثر مما ينبغي إلى أن وصلت -ولا أشعر- إلى حد أنني رمتُ بغيتي شيئا فشيئا، فكل خطوة مررت بها تشحذ همتي أكثر لمزيد من الاجتهاد والممارسة، بنتيجة أنني اتُّخذتُ أن أكون رئيس الجلسة في معظم البرامج في الكواكب، وكذا بعد أن قضيت السنتين الواجبتين فيه، اختارني الشيخ أن أكون مُشرفًا للطلبة الجدد حينذاك.
فما لبث أن شعرتُ بتطوّر أكثر وأكبر مع خدمتي لهم. وكان كلام شيخي الذي تذكّرت دائما: "أول من انتفع بالخدمة هو الخادم نفسه" أو كما قال. فجعلت ذلك ديدني طوال إشرافي لهم معتقدا أن ما أبذله من النفع ولو كان قليلا سيعود إليّ لا محالة. إضافة إلى ذلك، اختارني الشيخ أيضا أن أكون مدرّسا لهؤلاء تمهيدا قبل أن يتعلموا على يدي الشيخ، فكان ذلك شرفا لي ما لم يسبقني أي شرف مثل هذا. وكذلك كنت رئيس التحرير لإصدار مجلة الكواكب بعد توقّفه وقتا طويلا قبل ذلك، فأودّ أن أحييها بعد موتها تشجيعا وترغيبا لطلبة الكواكب في تنمية مهارتهم اللغوية في مجال الكتابة. وهكذا إلى أن انتهت رئاسة مرحلتي في الإدارة.
مرّتْ بي الأيام والشهور، سألني اتحاد الطلبة أن أنضم معهم في قسم التربية والتعليم، فأجبته إلى ذلك راغبا في تطوير نفسي أكثر وأبعد مما كان لي من قبل، خاصة في مجال التنظيم والمهارة الإدارية لنقصاني في هذين المجالين، مع أني تركت ما ينبغي أن أستمر فيه، فتركت الكواكب، واشتغلت في الاتحاد.
طال بي الأمر، ونجح الاتحاد خاصة في القسم الذي كنت فيه بكثير من الإنجازات العجيبة تعجب كثيرا من الطلبة، إلا أنني شعرت بشيء ليس كما ينبغي، فذلك يوم عسير، عليّ غير يسير، مع نجاحي في كثير من المناسبات، شعرت أن ما فعلت لم يُرحني ولم يعجبني، لا سيما كثرة المشاكل والكوارث التي طرأت على الاتحاد، فاشتد بي الأمر، واعترفت بعد أن تفكرت كثيرا بأنني في الأصل لستُ أهلا لأن أخوض في هذا المجال، حيث أقامني الله في ما ينبغي أن أكون فيه وهو طريق العلم، وبانحرافي عن هذا الطريق، أصابني القلق والاضطراب النفسي كما شعرت من قبل بل أشد، الأمر السياسي الذي لا أعرف عنه كثيرا يجرّني إلى مشكلة لا بد أن أحلها ولو كانت تستهلك طاقتي. فالأيام اشتدت وضقتُ بها ذرعا حتى سالت دموعي في إحدى صلاتي بالجامع الأزهر، فإذا تذكّرت شيخي وتذكّرت أيامي الغالية في الكواكب منذ بداية خطوتي إلى أن تطوّرت كثيرا فيه وأنا مطمئن بكل شيء حوله، ولو كانت هناك مشكلة، فلا تكون أشد مما أكون عليه الآن.
ما لي إلا أن أشتاق إلى الأيام التي أداولها بين الناس، الأيام التي حفّت بي الحركة العلمية الإيجابية تنفعني كثيرا ولو كانت هناك مشقة، لكنها بمثابة زيادة التحدي للوصول إلى الغاية المنشودة.
نعم، استفدتُ كثيرا في الاتحاد وتطوّرت بشيء جديد، لكن هذه الاستفادة وذاك التطوّر لا يساويان روح الاستفادة والتطور كما كنت في الكواكب. وإلا، غاية ما أجد في الاتحاد هي مهارة الإدارة والتنظيم فحسب، لا يزيد عن ذلك من أمور سياسية التي لستُ أهلا أن أسبح فيها.
فها أنا ذا، في سلخ السنة الدراسية بجامعة الأزهر الشريف، بعد مرور طرق شتى، وسبل متفرقة، اعترفت أن أفضل الطريق بالنسبة لي هو طريق العلم، تلك هي رحلتي الحقيقية في مصر، وأعزم بعد هذا العودةَ إلى هذا الطريق، عسى الله أن يوفّقني ويهديني إلى سواء السبيل.
ولا أنسى أن أقدّم جزيل الشكر وغاية العذر إلى شيخي ومربّي روحي الشيخ الدكتور شرف الدين الأزهري، الذي كان له دور كبير في تكوين ملكتي العلمية واللغوية طوال رحلتي في طلب العلم منذ البداية. ختمت القرآن على يديه، وحفظت متونا كثيرة بين يديه، وتربّيت على حب العلم واللغة بفضله.
لا يعرفه كثير من الطلبة خاصة في هذا العصر، لكونه مستورًا بينهم، ولكن الأجيال الذين تربّوا بين يديه أصبحوا كبارًا ناجحين في المجال العلمي، نذكر من أمثالهم: الدكتور لينجا متقين، الأستاذ سترياوان هريادي، الأستاذ فخر واصل، الأستاذ خضري (نائب اتحاد الطلبة الإندونيسيين ٢٠١٨ ورئيس اتحاد الطلبة الإندونيسيين بالشرق الأوسط حاليا)، وغير ذلك من الجهابذة الإندونيسيين في مصر مما تعجز الأقلام عن وصف فضل شيخي على هؤلاء خاصة على هذا الطالب الفقير الذليل. نسأل الله تعالى أن يجعل كل ما بذله من خدمة العلم والطلبة في ميزان حسناته، وأن يحفظه ويديم بقاءه، وييسّر أموره، وأن ينفعنا به وبعلومه وببركاته في الدارين، آمين.
الكلام كثير، والله أعلم بما في الصدور، إنه ولي ذلك والقادر على كل شيء.
القاهرة، ٢٧ مايو ٢٠٢٣
محمد حارز فاريزي فدزا الكواكبي الإندونيسي




Comments
Post a Comment