كيف وصل إلينا الدين؟
كَيْفَ وَصَلَ إِلَيْنَا الدِّيْنُ؟
محمد حارز فاريزي فدزا
قد اتضح لدى المتأمّلين للتاريخ وضوحَ الشمس في كبد السماء، أنه لا يوجد أي دين من الأديان وصل إلينا خبره وتعاليمه بطريقة منضبطة موثوقة كما وصل بها الدين الإسلامي.
إنه دين إلهي تكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظه ورعايته وفق قوله عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون}، فحفظ الذكر -القرآن الكريم- الذي كان مصدرًا رئيسيًا للدين الإسلامي يستلزم حفظ الدين نفسه، إذ به استقر قوامه وتجلّت مبادئه، وتولّت الأمة الإسلامية بتحقيق هذا الأمر العظيم جيلا بعد جيل منذ عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فبأي شيء حفظت الأمة هذا الدين؟
إن الناظر في تاريخ الإسلام قرونا متطاولة سيجد أن المسلمين كانوا يُحمّلون أنفسهم مؤونة منهج شاق يستنفد الكثير من الوقت والجهد دون أن يكون له حصيلة من كسب مادي معين، ويحملون عبء طول البحث والاستقراء والاستدلال سنوات وسنوات من أجل أن يصل إلينا هذا الدين والأمة مطمئنة إلى صحة ما ورد إلينا من التعاليم المتيسّرة والكتب المتوفّرة وكذلك العلماء الأجلاء الذين تناقلوا لنا علومًا من شتى الفنون يخدمون الدين وأبناءه على أن يكونوا على بصيرة فيه وفهم صحيح.
كانوا يقومون على أساس منهجي علمي دقيق لم يُعرف مثله عند غيرهم، وهو يتلخص في قاعدة جليلة كبرى من قولهم:
"إن كنت مخبرًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل"
إنها لمنهج عميق يشهد له الواقع التاريخي بثروة المنهج الإسلامي في تطوير مجالات شتى، من أهمها مجال العلم. أبدع علماء الإسلام منهج تثبّت أخبار ورجال، وذلك يتمثّل في علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل. وكان منهجا دقيقا في تحقيق خبر ما جاء عن النبي ﷺ أو من غيره دون أن يغفل في أدنى أمر فيه، فبحثوا في شخصية الراوي وترجمته وكل ما يتصل بحياته ليتجلّى لديهم مدى صحة ورود خبرٍ ما من مصدره، حتى ورد أن بعضهم قطعوا مسافة طويلة ما بين بلاد إلى أخرى من أجل تثبّت حديث واحد.
هكذا، تضافرت مؤلفات العلماء المسلمين تملأ العالم بحضارتهم المزدهرة لم تترك أي شيء مما يتصل بحياة الإنسان ويحقق مصالحهم الدينية والدنيوية، ما لا نجده البتة في غيره من الديانات. فلا عذر لنا خاصة طالب علم من كسل واستخفاف في تحصيل العلم الذي جاءنا منقَّحًا منضبطًا بأيسر طريق مما كان علماؤنا المتقدمون عليهم من المشاق في بحثه وتنقيحه. فما لنا إلا التمسك والالتزام بهذا الدين الكامل حتى تتحقق لنا السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
القاهرة، ١٤ مارس ٢٠٢٣
محمد حارز فاريزي فدزا



Comments
Post a Comment