حضارة اقرأ باسم ربك
"حضارة اقرأ باسم ربك"
بقلم: محمد حارز فاريزي فدزا
إذا نظرنا إلى الغرب بحضارته المزدهرة؛ سنجد أنه قد تفوّق بالأنواع العديدة من التجديدات والتطورات التي فاقت الأرض من مشارقها إلى مغاربها. ولكن إذا بحثنا عنها في التاريخ وتأمّلناها جيّدا؛ سنجد أن الغرب كان يأخذ ويتلقى العلوم والمعارف على أيدي علماء الإسلام بعد أن كان استيقظ من نومه العميق مدة طويلة. وكان ما تلقّاه من العلوم والمعارف من العوامل التي حرّكت الغرب لينهض ويتطوّر بالحضارة العريقة كما شاهدنا عبر التاريخ والواقع. ولكن قبل أن نشرع في هذا المنطلق، لا بد أن نبيّن ما هي الحضارة الإسلامية ومدى تأثيرها على الغرب.
إن الحضارة الإسلامية شيّدتها الأمة بيدها وفكرها وعقيدتها. فكانت بهذه الحضارة الفاضلة نموذجا للإنسانية الفاضلة قمّة أوجها الحضاريّ، وبعقيدتها التوحيدية مثلا للكرامة الإنسانية، عاش المسلمون في دولتهم الكبرى بفضل إيمانهم الصادق، وفهمهم الصحيح لمرامي الإسلام ومبادئه.
بناءً على إقامة هذه الحضارة الشامخة، لقد حثّ الأسلام على طلب العلم والدعوة إلى السعي نحو المعرفة والبحث عن كل ما ينفع الناس في أمور دينهم ودنياهم. وبفضل هذه الدعوة أقام الإسلام حضارة نشأت في ظلها علوم ومعارف لم يكن للأمم السابقة عهد بها، وقد ازدهرت هذه العلوم أيما ازدهار، وظهر فيها الابتكار والأصالة، كما اتسمت بعمق الفكر ودقته.
وقد ثبت في القرآن الكريم في أول ما نزل منه، وهو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، بدأ القرآن بالعلم في هذه الكلمة. وقد وردت آيات كثيرة تتحدث عن العلم، منها قوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، {يرفع الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، وغيرها من الآيات التي أثنى بها القرآن العلمَ والعلماء. ومن الأحاديث المشهورة عن العلم، منها: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
والعلم الذي يراد به في هذا الحديث لا يقتصر على علوم الدين فحسب؛ إنما هو أكثر من ذلك، كما أن القرآن قد أكثر الحديث عن العلم في مواضع شتى. فالله سبحانه وتعالى لا يتكلم عن الشمس والقمر والنجوم والأنهار ومما في الأرض والسموات وما فيهما من الأسرار والعجائب إلا وفيه إشارة إلى تدبّر آياته العظيمة. قال عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، وقوله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيات لأولى الألباب}.
نظرا إلى حكمة الله تعالى؛ نجد أن علماء الطبيعة من المؤمنين حين رأوا العجائب الكونية؛ خرّوا لله سجّدا. والأطباء الذين فحصوا أعضاء الإنسان والحيوان، ثم وجدوا من تراكيبها تتفاوت بعضها بعضا وما فيها من دقائق الخلقة، خرّوا له سجّدا. فالعلم الذي يراد في ما ورد من النصوص السابقة، هو كل علم يتوصل به إلى معرفة الله وعبادته.
نعم، أن المسلمين حين عنوا بهذه العلوم الدنيوية واشتغلوا بالنظر والتأمل في النفس الإنسانية وعوالم الطبيعة والآيات الكونية، إنما فعلوا ذلك استجابة لأمر الله -عز وجل-، ولأن هذا التأمل وذاك النظر تعزّز ثمراته الصحيحة ما جاء به الدين، وما نزل به الوحي علي سيد المرسلين –صلى الله عليه وسلم-.
ولنعلم أيضا، أن للإسلام –كما سبق ذكره- علوما كثيرة لا تقتصر على ما يتصل بالدين، مثل علوم: التوحيد، والفقه، والتفسير، والحديث، وما أشبهها؛ بل ازدهرت –إلى جانب هذه العلوم- العلوم الكونية، من: فيزياء، وفلك، وطب، ورياضيات، كيمياء، وغيرها. وقد ثبتت أصالة المسلمين في هذه العلوم وإن كان للأمم القديمة معرفة ببعضها، إلا أن المسلمين لم يقفوا في معرفة هذه العلوم بمجرّد النقل عن الأقدمين، وإنما قاموا بتصحيح أخطائهم وبتنقية هذه العلوم من الخرافة والأباطيل، ثم ابتكروا وأضافوا وأتوا بالجديد من الأفكار والعلوم ومن النظريات والبحوث في كل ميادين المعرفة الإنسانية ما لم يسبقها أحد في تلك العصور المشرقة.
لنذكر بعض العلماء المسلمين الذين ساهموا في الحضارة الإسلامية بإنجازاتهم الباهرة على مر التاريخ، ومن أشهرهم:
• الخوارزمي (164 – 232 هـ) الذي يُعد من أبرز علماء فلك عرب وأوائل علماء الرياضيات المسلمين، وكذلك من أهم من برعوا في علم الفلك والجغرافيا. تضمّنت أهم إنجازات الخوارزمي تأليف الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة الذي يطرح كيفية حلّ المعادلات الخطية والتربيعية. وكان أول من نقل علم الأرقام من الهند إلى الشرق الأوسط ثمّ إلى أوروبا، وتُرجمت العديد من أعماله إلى اللاتينية، وأطلق عليها اسم الخوارزميات نسبةً له.
• عباس بن فرناس (190 – 260 هـ) عالم أندلسي مخترع شهير بالإضافة إلى كونه شاعرًا وفيلسوفًا، وكان أوَّل من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة في الأندلس، ومن مخترعاته الميقاتة التي ابتدعها لمعرفة الأوقات. وقد اشتهر بسبب محاولة الطيران الأولى التي قام بها، حيثُ صنع جناحين له وكسا نفسه بالريش وطار مسافة طويلة في الجو، لكنَّه أهمل الذيل فسقط وتأذى ظهره، فكان أوَّل إنسان يحاول الطيران ويخترق الأجواء.
• ابن سينا (370 – 427 هـ) هو العالم الشهير الذي تبحّر في أعماق الفلسفة والطبّ حتى صار وحيد عصره بمميزاته. لُقب بأمير الأطباء وأبو الطب الحديث من قِبَل الغرب في العصور الوسطى، وتتضمن أبرز إنجازاته كل من كتاب “القانون في الطب” الذي استُخدم كمرجعٍ رئيسي في علم الطب على مدى 7 قرون ودُرّس في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن 19.
• جابر بن حيان (101 – 117 هـ) عالم بارع أيراني الأصل، كان له فضل كبير في إسهام الاختراعات والإنجازات، أسّس الكيمياء الحديثة ونفّذ العديد من التجارب الكيميائية وأتقنها، ومنها التقطير، والتبلور، والتسامي، وغيرها، فأُطلق عليه اسم أبو الكيمياء. وكان أول من حضّر ماء الذهب.
وغيرهم من العلماء المسلمين الذين اخترعوا اختراعات مبهرة وسبقوا غيرهم بمراحل كثيرة لم يصلها أحد.
وكان على الغرب أن يتلقى هذه العلوم والمعارف على أيدي علماء الإسلام بعد أن كانت تَغُطّ في سُباتها العميق في مرحلة ما سمّوه بالعصور الوسطى، وكان ذلك عن طريق الالتماس والتفاعل الدقيق في كل من الأندلس وصقلية، وعبر الحروب الصليبية.
حضارتنا الإسلامية حضارة تُشعِل نهضة أوروبا الحديثة بمناهجها؛ تحليليا وتجربيا واستقرائيا. ولا شك أن أوروبا لا يمكن أن ينهض نهوضا قويّا إلا بتطبيق هذه المناهج التي أنتجتها الحضارة الإسلامية. هذه هي حقيقة واقعية نشهدها في عصرنا الحاضر، نرى أن للغرب أثرًا كبيرًا في تطوير أفكارهم بما نهلوا من مناهج الإسلام مع أن كثيرا من الأمة الإسلامية الحاضرة كأبناء هذه الحضارة لا يهتمّون بهذه الحقيقة بل وقد ينقادون لأفكار هؤلاء الغربيين ويفتخرون بها.
لنأخذ بعض النماذج من كلام الغربيين الذين أنصفوا الحضارة الإسلامية بعد أن ظلمها الغربيون قرونا متعددة.
فمثلاً يقول توماس أرنولد: "كانت العلوم الإسلامية وهي في أوج عظمتها تضيء كما يضيء القمر فتُبدد غياهب الظلام الذي كان يلف أوروبا في القرون الوسطى".
والعالم الإنجليزي بريفولت صاحب كتاب "بناء الإنسان" يقول: " لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض - في عنفوانها - إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام. ولم يكن العلم العربي وحده هو الذي أعاد إلى أوربا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية"
فالعلم هو العنصر الأول للنهضة، واللبنة الأولى والأساسية لنهضة الأمة. فبالعلم ترتقي الأمة وتنتقل من الانحطاط والتخلف إلى الازدهار والتقدم، فلا حضارة بدون علم. ولكن السؤال الآن هل هذا يكفي لنا كالأمة الإسلامية لنحقّق النهضة الحضارية؟
لنرجع إلى الآية السابق ذكرها: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ}، كلمة "اقرأ" يتصل بما بعدها وهي كلمة "باسم ربك". فإذا كانت "اقرأ" توصلنا إلى العلم، فكلمة "باسم ربك" توصلنا إلى الإيمان.
وإذا أمعنا النظر في هذا الآية الجليلة، نجد معناه يتوسّع ويتفرّع من معنى العلم إلى كل أعمال نفعله. اقرأ باسم ربك، تحرّك باسم ربك، تكلّم باسم ربك، لتكون حياتنا كلها لله رب العالمين. فإن كان العمل لا يقترن باسم ربك فهو أقطع وأبتر لا بركة فيه.
فناسبت الآيةَ الأخرى في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. فحياة النبي –عليه الصلاة والسلام- من الصلاة والعبادة والحياة والممات كلها لله سبحانه وتعالى. فنجد معنى آخر توّسعا لما تقدم ذكره إلى أعم المعنى للإيمان.
قد يسأل السائل: لماذا لا يذكر اسم أفلادون ولا أرسطو ولا سقراط؟ مع أنهم مفكّرون جهابذة في عصره. فجاءت الآية بكلمة "الذي خلق" برهانا ساطعا ودليلا واضاحا على مثل هذا السؤال. هو الله الذي خلق، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ}. فلذلك، توفيق الله إصلاح وبيان لكل مشكلات ومبهمات.
فيكون الإيمان العنصرَ الثاني الذي يتعلق بالنهضة الإسلامية، ولا مجرّد العلم والمعرفة كما اعتقده الفلاسفة الضالون. فمنهج الإسلام الذي به تقوم نهضته وحضارته المزدهرة هو منهج " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ"
خلاصة ما نقتطف من هذا البيان:
1. لو كنا نسير على هذا المنهج كما سار عليه سلفنا الصالح، لنحوز سعادة الدنيا والآخرة وسيغنينا الله من فضله ويكفينا من كل شرّ. {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
2. نحن أمناء رسالة الإسلام الذين قاموا بمعرفتها والعمل بها ونشرها، لكن هذا النشر يحتاج إلى قوة، وقوة كبرى –بعد توفيق الله- هو العلم مع الإيمان الكامل.
لننقل مقالة رائعة من العلّامة الشهيد الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي –رحمه الله تعال-:
"المهم أنك إذا أردت أن تتجه إلى العلم أيا كان هذا العلم، اجعل قصدك من وراء ذلك التقرب إلى الله، عندئذ تصبح العلوم كلها علوما شرعية. وقال لي والدي: اعلم يا بني أنني لو عرفت أن طريق الوصول إلى الله إنما يكون بكسح القمامة من الأرض، لجعلتك زبالاً، ولكني نظرت فوجدت أن طريق الوصول إلى الله هو العلم، فمن أجل ذلك قررت أن أسلك بك هذا الطريق. لأني أريد منك ألا تدرس العلم من أجل الوظيفة والشهادة والقيادة ومناسفة الأقران وإنما تدرسه من أجل مرضاة الله تعالى. إذا التزم الإنسان بهذا الأمر، فإن درس الطب والكيميا والفيزيا والرياضيات والهندسة فهو يتقرب بها كلها إلى الله. لأن العلم يكشف النقاب عن الحقيقة، وحقيقة الكون الكبرى هي الله سبحانه تعالى، لا شك في هذا ولا ريب."






Comments
Post a Comment